تُشكّل ظاهرة إنتاج وتعاطي المخدرات إحدى أخطر المشكلات العالمية، وصار علاج إدمان المخدرات والقضاء على الإدمان من جذوره حلم الشعوب والدول التي تتجرّع الألم، وتتكبّد المليارات في علاج مدمني المخدرات، حيث توفّر هذه الحكومات علاج الإدمان بالمجان من خلال مستشفيات ومصحات علاج الإدمان الحكومية.
في المقابل، لا يتم علاج مدمني المخدرات في المنزل في بعض الحالات، إذ ترفض بعض الأسر ذات المكانة الاجتماعية علاج مدمن المخدرات داخل مصحات علاج الإدمان خوفًا من “الفضيحة” — بحدّ زعمها — واعتقادًا بأن الشخص المدمن وصمة عار على الأسرة. وهذه النظرة المجتمعية الخاطئة تحول بين العديد من المرضى وبين الوصول إلى التعافي من الإدمان.
لكن علينا أن نعي أن مصحات علاج الإدمان والمراكز العلاجية تقدم خدمات علاج إدمان المخدرات في سرية تامة، وهي الطريق الأمثل للتعافي. ففي واقع الأمر، محاور علاج الإدمان لا تتمثل فقط في رغبة الشخص المدمن في التوقف عن التعاطي؛ فمرض الإدمان من الأمراض المزمنة والمعقدة، وهناك فارق كبير بين التوقف عن التعاطي وبين الحفاظ على التعافي.
ومن هنا كان العدو الذي نواجهه والمتمثل في الإرهاب الخفي ليس عدوًا هينًا، ويحتاج إلى المختصين. لذا نؤكد أن فكرة علاج الإدمان في المنزل بها العديد من العراقيل والعقبات، وأن حاجة الشخص المدمن إلى مصحات ومراكز علاج الإدمان تُعدّ أحد أهم محاور التعافي من الإدمان والعودة إلى ممارسة الحياة من جديد؛ فهي السفن التي يعبر من خلالها المدمن من طريق الظلام إلى عالم النور.
نظرًا لأهمية موضوع علاج إدمان المخدرات، سيكون محور حديثنا عن هذا الموضوع، وسنتعرض خلال هذا المقال إلى مجموعة من المحاور المتمثلة في:
أولًا: تعريف المخدرات
لغويًا، أصل كلمة “مخدرات” من لفظ “خدر”، أي ستر، وسُمّيت المخدرات بذلك لأنها تستر العقل والجسد عن الاتصال بالواقع والمجتمع.
أما عن تعريف المخدرات بحسب ما جاء في لجنة المخدرات بالأمم المتحدة، فهي:
مواد خام أو مسكنة أو منبهة أو مهلوسة، إذا تم استخدامها في غير الأغراض التي وُجدت من أجلها سواء كان الغرض طبيًا أو صناعيًا أو غير ذلك فإنها تؤدي إلى حالة من التعود أو الإدمان، مما يتسبب في حدوث ضرر بالشخص من الناحية الجسدية والنفسية، وبالمجتمع بأسره.
الإدمان مفهوم شامل يُطلق على الاعتماد النفسي والجسدي على عادة تُوصف بـ”العادة الإدمانية”، ويكون هذا الاعتماد مدفوعًا إليه الشخص. وقد ترتبط هذه العادة بمادة، أو نشاط، أو أي شيء آخر، لكنها بلا شك عادة غير صحية وغير سوية.
تعريف الإدمان في علم النفس هو الحالة الناتجة عن استعمال مواد مخدرة بشكل مستمر، بحيث يصبح الإنسان في حالة من الاعتماد النفسي والجسدي عليها، بل يحتاج إلى زيادة الجرعة من حين لآخر ليحصل على نفس الأثر بشكل دائم.
وفي حالة التوقف عن تعاطي المادة المخدرة، يحدث ما يُسمّى “أعراض الانسحاب من المخدر”.
لا ريب أن الحديث عن علاج إدمان المخدرات يجعلنا نتطرق إلى أنواع تلك السموم، والتي تتمثل فيما يلي:
أولًا: المخدرات الطبيعية
المخدرات الطبيعية هي التي تكون في الأصل نباتات، وتُستعمل مباشرة دون أي تدخلات كيميائية. ومن أمثلة المخدرات الطبيعية:
(الحشيش – الأفيون – الكوكا – القات – الشاش).
ثانيًا: المخدرات التصنيعية (النصف طبيعية)
المخدرات التصنيعية هي المواد المخدرة التي تُستخلص من نباتات طبيعية، إلا أنه يُجرى عليها بعض العمليات الكيميائية، فتصبح مواد أخرى أشد من ناحية التركيز والتأثير. ومن أمثلة هذا النوع من المخدرات:
(الهيروين – المورفين – الكوكايين – الكودايين).
ثالثًا: المخدرات التخليقية (الصناعية)
المخدرات التخليقية تعني المخدرات الصناعية، وهي العقاقير التي يتم تصنيعها من مواد كيميائية، ويكون لها نفس تأثير المخدرات الطبيعية أو التصنيعية.
يتم تصنيع المخدرات التخليقية على هيئة أقراص أو حبوب أو كبسولات، أو من خلال الحقن الوريدي، أو على هيئة شراب. وتم تقسيم هذا النوع من المخدرات إلى عدة أقسام فرعية:
المخدرات التخليقية المهبطة، مثل: الميثادون والفاليوم.
المخدرات التخليقية المنشطة، مثل: الكبتاجون (أكثر المخدرات انتشارًا في السعودية).
المخدرات التخليقية التي تسبب الهلوسة، مثل: LSD وMMD.
أما عن أسباب انتشار المخدرات وأسباب الإدمان، فلا يتعلق الأمر بالشخص نفسه فقط، فهناك العديد من العوامل والمتغيرات التي لها دور في وقوع الشخص في فخ الإدمان. ومن أهم أسباب إدمان المخدرات ما يلي:
التركيبة الشخصية؛ حيث يعتقد الباحثون أن هناك بعض الشخصيات أكثر ميلًا لإدمان المخدرات، مثل:
(الشخصية القلقة – الشخصية السيكوباتية – الشخصية المريضة عقليًا).
ضعف الوازع الديني وغياب التربية السوية.
سهولة توافر المخدرات في المجتمع وانتشارها بشراهة بين جميع المجتمعات، حتى مجتمعاتنا العربية، حيث صارت المخدرات تُباع وتُشترى وكأنها مشروبات غازية غير محظور الاتجار فيها!
تأثير قرناء السوء من عوامل نشر المخدرات؛ فلو أثّر كل صاحب في شخص واحد، لزاد عدد المدمنين إلى الضعف، فكيف لو أثّر في أكثر من ذلك؟ وقد بلغت نسبة المدمنين في مصر 10%، أي ضعف المعدل العالمي للإدمان.
تناول المواد المخدرة بغرض النشوة الجنسية، وهذا من أكثر العوامل التي يلعب عليها تجار المخدرات ويحاولون خداع الشباب بها للإقبال على طريق الإدمان.
التقليد الأعمى للآخرين وحب التجربة عامل كبير في دخول الأشخاص — خاصة المراهقين — في عالم التعاطي.
الضغوط المجتمعية والظروف البيئية الصعبة تجعل العديد من الناس يقبلون على تعاطي المخدرات، ظنًا منهم أن المخدرات ستُخلّصهم من الضيق والحزن والألم الذي يعانون منه، لكن سرعان ما تزول لحظات النشوة، ويعود الضيق والكآبة أشد مما كان.
غياب التوجيه الأسري والمراقبة المستمرة من قبل الوالدين وأولياء الأمور للأبناء يجعلهم يفعلون ما يحلو لهم.
قد يكون الموقع الجغرافي عاملًا كبيرًا في انتشار المخدرات في المجتمعات العربية؛ فمنطقة الخليج العربي وموقعها القريب من دول باكستان وإيران وأفغانستان ودول شرق آسيا — وهي من أكثر الدول إنتاجًا للمخدرات — يساعد بشكل كبير في تدفق كميات كبيرة من المخدرات إلى الوطن العربي والخليج بشكل خاص.
الثراء الفاحش وارتفاع المستوى الاقتصادي وتوفر القدرة الشرائية، مع غياب جانب المراقبة، أدى إلى سهولة الحصول على المخدرات.
اعتقاد بعض الأفراد أن تحريم المخدرات مقتصر على الخمور فقط، وأن المخدرات الأخرى يجوز تناولها، وهذا لا شك فهم قاصر؛ فكل ما يُذهب العقل من مسكر أو مخدر فهو حرام.
قلة التوعية بضرر المخدرات؛ فلو علم الشاب أن المخدرات تتسبب في أضرار ومشكلات جسدية ونفسية بالغة، وأنها قد تتسبب في العجز الجنسي في المراحل المتقدمة من الإدمان، لما أقبل عليها.
انهيار الأسرة والخلل العائلي وحدوث اضطرابات في الحالة الصحية والاجتماعية للأسرة قد يدفع الأبناء إلى الهروب من تلك التغيرات والمشكلات إلى عالم من الخيال — ولو للحظات — فلا يجد نفسه إلا قابعًا في عالم الإدمان.
لا شك أن التعرف على علامات الشخص المدمن والأعراض التي تجعلك تكتشف مدمن المخدرات عامل هام للبدء مبكرًا في طريق علاج إدمان المخدرات، والتخلص من كابوس الإدمان، وبناء شخص فعّال له بصمة في المجتمع.
فالتعرف على متعاطي المخدرات في أسرتك هو جرس الإنذار الذي يدل على وجود المشكلة، ومن ثم البدء في مراحل علاج إدمان المخدرات قبل فوات الأوان؛ لأن نهايات الإدمان مؤلمة، ما بين الموت منتحرًا أو الموت بسبب جرعة زائدة من المخدرات وغيرها من النهايات المؤلمة على جميع أفراد الأسرة.
ومن خلال هذا المحور من موضوع علاج إدمان المخدرات، نعرض الدلائل التي يجب الانتباه إليها من أجل اكتشاف وجود شخص مدمن في المنزل، وذلك للانتقال إلى خطوات علاج الإدمان مبكرًا.
إن التعرف على مدمن المخدرات في المنزل لا يعتمد على الشك فقط، بل هناك علامات واضحة تدل على التعاطي، ومن أهمها:
الأنف: كثير من المواد المخدرة يتم تعاطيها عن طريق الشم، مما يؤدي إلى نزيف والتهابات مزمنة، ويبدو الشخص وكأنه مصاب بزكام دائم، وقد يُلاحظ وجود دم على المناديل أو الفراش.
العينان: احمرار واضح، واتساع حدقة العين، وانطفاء اللمعة الطبيعية، مع حركة غير طبيعية للعين.
رائحة المخدرات: تبقى الرائحة عالقة في الملابس والجسد لفترات طويلة، خاصة في الحشيش والبانجو والفودو.
إهمال المظهر الشخصي: عدم الاهتمام بالملابس والهندام والنظافة بعد أن كان الشخص مهتمًا بها.
وجود أدوات التعاطي: مثل الإبر، ورق لف التبغ، الولاعات، أدوات إزالة الرائحة، أو بقايا جرعات مخدرة.
آثار الحقن: وجود ندبات أو كدمات أو تقرحات في أماكن الحقن، مع محاولة إخفائها بملابس طويلة.
اضطرابات النوم: أرق شديد أو نوم لساعات طويلة بشكل غير معتاد.
تغيرات سلوكية: عدوانية، ألفاظ نابية، عزلة، فقدان الطموح، عدم تحمل المسؤولية.
تغير الأصدقاء: مصاحبة أشخاص مشبوهين أو معروفين بسوء السلوك.
السرقة المتكررة داخل المنزل: للحصول على المال اللازم لشراء المخدرات.
وبعد وجود مؤشرات قوية، يجب إجراء تحاليل معملية للتأكد بنسبة 100% من وجود المخدر في الجسم.
من أبرز الأعراض النفسية والجسدية لتعاطي المخدرات:
الاكتئاب الشديد، وقد يصل الأمر إلى التفكير في الانتحار.
تقلبات مزاجية حادة بين النشوة والعصبية.
القلق المستمر والخوف من عدم توافر الجرعة.
تغيرات ملحوظة في الوزن والهزال العام.
ولا يوجد اختلاف جوهري بين أعراض إدمان المراهقين وأعراض الإدمان عند الكبار، لكن النسبة الأعلى تكون في فئة الشباب والمراهقين.
يلجأ بعض الأشخاص إلى علاج الإدمان في المنزل خوفًا من الوصمة الاجتماعية أو بسبب ارتفاع تكلفة مصحات علاج الإدمان.
ورغم أن هناك حالات بسيطة يمكن التعامل معها منزليًا في بدايات التعاطي، فإن علاج الإدمان في المنزل في المراحل المتقدمة يُعد أمرًا بالغ الصعوبة، ويزيد من احتمالية الانتكاس.
أعراض الانسحاب الشديدة عند التوقف المفاجئ.
عدم القدرة على السيطرة على المدمن داخل المنزل.
سهولة الوصول إلى المخدرات عبر الأصدقاء.
غياب الإشراف الطبي المتخصص.
وهي المرحلة الأولى الفعلية، وتستمر غالبًا من 10 إلى 15 يومًا، ويتم خلالها تنظيف الجسم من السموم تحت إشراف طبي.
تظهر أعراض الانسحاب بعد التوقف المفاجئ، مثل:
الأرق الشديد.
ارتفاع درجة الحرارة والتعرق.
اضطرابات المعدة والإسهال.
القيء.
القلق والتوتر.
الهلاوس في بعض الحالات.
الاكتئاب.
ويتم التعامل مع هذه المرحلة من خلال أدوية مخصصة لتخفيف حدة الأعراض.
وهي من أهم مراحل علاج الإدمان، ويتم خلالها:
جلسات علاج نفسي فردي وجماعي.
تدريب المريض على مهارات التعامل مع الضغوط.
تعلم استراتيجيات منع الانتكاس.
إعادة التأهيل الاجتماعي.
وهي مرحلة ما بعد التعافي، وتشمل:
المتابعة الدورية مع الطبيب.
الالتزام بالأدوية المساعدة.
تجنب محفزات التعاطي.
الاستمرار في الدعم النفسي.
تنتشر ثقافة علاج الإدمان بالأعشاب في بعض المجتمعات، لكن الطب الحديث لم يعتمد هذه الطريقة كعلاج أساسي.
لا توجد دراسات علمية موثقة تثبت فعالية الأعشاب وحدها في علاج الإدمان، خاصة في المراحل المتقدمة.
قد تساعد بعض الأعشاب مثل الكركم والحبة السوداء وإكليل الجبل في دعم الجسم خلال مرحلة سحب السموم، لكنها لا تُغني عن العلاج الطبي والنفسي المتخصص.
علاج إدمان المخدرات في الثقافة العربية ما زال محاطًا بالخوف من الوصمة الاجتماعية، لكن الحقيقة أن المدمن مريض يحتاج إلى دعم وعلاج متخصص، وليس إلى لوم أو عقاب.
أفكار علاج الإدمان في المنزل أو بالأعشاب وحدها ليست كافية، خاصة في ظل خطورة أعراض الانسحاب واحتمالية الانتكاس.
العلاج داخل مصحة متخصصة يضمن:
إشرافًا طبيًا متكاملًا.
بروتوكولًا دوائيًا آمنًا.
برنامجًا نفسيًا وتأهيليًا شاملًا.
سرية تامة واحترامًا لخصوصية المريض.
والتعافي ممكن، لكن بشرط اتخاذ القرار الصحيح واللجوء إلى المتخصصين.
مستشفى الحرية للطب النفسى وعلاج الادمان هي من أهم المستشفيات الرائدة فى علاج جميع حالات الادمان بأحدث الاساليب المتطورة والطرق العلاجية الحديثة
مدينة الفيوم – مصر
info(@)mentalhospital.net
0020-10-07897127
0020-10-15340481
Designed by Horeya Dev